الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
68
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عوضا عن المضاف إليه ، أي فضرب رقابهم وشدّوا وثاقهم . والمنّ : الإنعام : والمراد به : إطلاق الأسير واسترقاقه فإن الاسترقاق منّ عليه إذ لم يقتل ، والفداء : بكسر الفاء ممدودا تخليص الأسير من الأسر بعوض من مال أو مبادلة بأسرى من المسلمين في يدي العدو . وقدم المن على الفداء ترجيحا له لأنه أعون على امتلاك ضمير الممنون عليه ليستعمل بذلك بغضه . وانتصب مَنًّا و فِداءً على المفعولية المطلقة بدلا من عامليهما ، والتقدير : إما تمنون وإما تفدون . وقوله بَعْدُ أي بعد الإثخان وهذا تقييد لإباحة المنّ والفداء . وذلك موكول إلى نظر أمير الجيش بحسب ما يراه من المصلحة في أحد الأمرين كما فعل النبي صلى اللّه عليه وسلّم بعد غزوة هوازن . وهذا هو ظاهر الآية والأصل عدم النسخ ، وهذا رأي جمهور أئمة الفقه وأهل النظر . فقوله : الَّذِينَ كَفَرُوا عام في كل كافر ، أي مشرك يشمل الرجال وهم المعروف حربهم ويشمل من حارب معهم من النساء والصبيان والرهبان والأحبار . وهذه الآية لتحديد أحوال القتال وما بعده ، لا لبيان وقت القتال ولا لبيان من هم الكافرون ، لأن أوقات القتال مبينة في سورة براءة . ومعرفة الكافرين معلومة من اصطلاح القرآن بقوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 5 ] . ثم يظهر أن هذه الآية نزلت بعد آية ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ في سورة الأنفال [ 67 ] . واختلف العلماء في حكم هذه الآية في القتل والمن والفداء والذي ذهب إليه مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وهو أحد قولين عن أبي حنيفة رواه الطحاوي ، ومن السلف عبد اللّه بن عمر ، وعطاء ، وسعيد بن جبير : أن هذه الآية غير منسوخة ، وأنها تقتضي التخيير في أسرى المشركين بين القتل أو المن أو الفداء ، وأمير الجيش مخيّر في ذلك . ويشبه أن يكون أصحاب هذا القول يرون أن مورد الآية الإذن في المنّ أو الفداء فهي ناسخة أو منهية لحكم قوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إلى قوله : لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في سورة الأنفال [ 67 ، 68 ] . وهذا أولى من جعلها ناسخة لقوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ لما علم من أن مورد تلك هو تعيين أوقات المتاركة ، وأوقات المحاربة ، فلذلك لم يقل هؤلاء بحظر قتل الأسير في حين أن التخيير هنا وارد بين المنّ والفداء ، ولم يذكر معهما